الوطنية

مساعدات قضائية وحقوق انسان
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 اساس مقولة ( ان الرحمة فوق القانون)الجزء الثاني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المتوكل
Admin


ذكر
عدد الرسائل : 56
العمر : 37
العمل/الترفيه : محامى
المزاج : عالى
تاريخ التسجيل : 21/03/2008

مُساهمةموضوع: اساس مقولة ( ان الرحمة فوق القانون)الجزء الثاني   الإثنين سبتمبر 22, 2008 2:08 pm

فاذا اعتبر العدل كتجسيد لقاعدة المساواة الشكلية الصرفة فانه يعبر عن حكم منطقي يقوم على المساواة المجردة ، وهذا ما يلائم القاعدة القانونية العامة المجردة ، واذا ما طبق بانتظام فانه لايمكن ان يتناقض مع نفسه .
اما العدالة فتناسبها فكرة المعايير لانها لاتعمل بصفتها تعبيرا عن حكم منطقي بل بتشكيل ذاتها في صورة القضية الفردية ونظرا لعدم وجود شكل محدد لها فانها تشبه العمل الاخلاقي الذي هو عفوي وغير محسوب له بعناية ويهدف الى اغاثة شخص يتألم دون اعتبار لقواعد محددة .
ويمكن ان ينظر الى العدل الشكلي كأمر غير عادل اذا ما استجاب لمقتضياته ولكنه يفشل في اتخاذ قراراته بروح العدالة فيكون تجسيدا لظلم فادح ومن هنا لايكفي ان يتفق نظام قانوني مع خصائص العدل الشكلية وان كان هذا القانون يطبق بمساواة وبروح النزاهة ، ذلك ان القانون يحتاج ان يكون محتواه عادلا اي ان يعبر عن روح العدالة.
تطبيقات فكرة الرحمة فوق القانون
ان اهم شريعتين سائدتين في عالم اليوم ، بالنسبة للقانون الوضعي، هي الشريعة اللاتينية التي استمدت من احكامها القوانين الفرنسية وتبعتها اغلب قوانين الدول العربية ويعتبر القانون الطبيعي هو المصدر الاحتياطي لاحكامها على الاغلب الى جانب قواعد العدالة،والشريعة الانكلوسكسونية التي استمدت منها قوانين انكلترا وامريكا وبعض الدول ومنها السودان خلال فترة من الزمن، وتعتبر قواعد العدالة المصدرالاحتياطي لاحكامها . وتعتبر الشريعة الاسلامية الغراء مصدرا للكثير من احكام القانون المدني والاحوال الشخصية في البلاد الاسلامية.
اخذت فكرة الرحمة فوق القانون تنمو تدريجيا مع تشذيب الاخلاق الانسانية بمرور الزمن والانتقال من مرحلة شبه البداوة الى عصر الاستقرار والزراعة(5)، وفي ظل قانون دراكون اليوناني طالب العامة الكهنة والحكام بنشر القانون ، ونشر القانون فعلا وعندها اكتشفوا كم كان قانونهم شديدا وقاسيا ومجحفا بحقوق الضعفاء ، ولم تمض عشرون عاما حتى شرع قانون اخر هو قانون صولون(600 ق.م ) للتخفيف من قسوة قانون دراكون ، فقد اعترف القانون الجديد بحقوق الابناء وحرم الربا الفاحش وحرم التنفيذ على شخص المدين عند عدم الوفاء بالدين وذلك بمنع بيعه او قتله ، وحرم قتل الابناء او بيعهم وقضى بتحرير الابن من السلطة الابوية ببلوغه سناً معينا والغى حصر الارث بالابن الاكبر .
وتدريجياً نفذت الفسلفة اليونانية الى الحياة الرومانية بفضل البريتور( منصب قضائي) ،وكان له الفضل في تحرير القانون الروماني من معظم شكلياته ، وبذلك انتقل القانون الروماني من مرحلة جموده وحدته وقسوته الى مرحلة جديدة من المرونة والبساطة والحكمة فتحت الطريق امام قواعد جديدة ومبادي مستحدثة ومنهاج جديد في التحليل واحكام قانونية لم يكن للرومان عهد بها من قبل ، ويعلق شيشرون على ذلك الاثر بقوله ( لم يكن منشأ الفيض الذي اقبل من بلاد اليونان الى مدينتنا مجراً صغيراً،بل منشؤه نهراً خضماً من الثقافة والعلم والفلسفة ) ، وهكذا تدريجيا بدأت احكام البريتور تدون فنشأ مايسمى بالقانون القضائي(البريتوري) ليحل تدريجيا محل قانون الالواح الاثني عشر (509 ــ 130) ق.م ، فقد كان الاخير قانونا قاسيا شكليا جامدا وكان الحق بموجبه يسقط لمجرد ان المدعي لم يتفوه بعبارات معينة ، فقد وضع اصلا ليحكم مجتمعاً صغيراً شبه بدوي يعيش على الزراعة . الا ان البريتور وبمرور الزمن تمكن بعض الشيء وبوسائل معينة من تحرير ذلك القانون من بعض قسوته وجموده وذلك من اجل حماية حق او حماية حالة من حالات الضعف الانساني لايحميها القانون ولأكمال ما يعتريه من نقص ومن هذه الوسائل الاوامر البريتورية والتمكين من الحيازة ورد الشي الى اصله فضلا عن اللجوء الى الحيلة القانونية وهي افتراض القاضي لامر مخالف للواقع للتوصل الى تغيير احكام القانون دون التعرض الى نصوصه ، من صور الحيلة القانونية التي لجأ اليها القاضي الروماني ، مايعرف بالدعوى البوليكانية ، حيث ان قانون الالواح الاثني عشر كان ينص على ان ملكية المبيع لاتنتقل للمشتري الابعد مرور سنة في المنقول وسنتان في العقار، فاذا تعرض المبيع قبل انقضاء هذه المدة للسرقة او الاغتصاب فلا توجد حماية للمشتري لانه لم يعد مالكا بعد ، فتدخل البريتور ووفر هذه الدعوى له ومن خلالها يفترض البريتور ان المدة قد مضت، رغم انها لم تمض حقيقة، ومن ثم يحكم له بأنتقال ملكية المبيع بمجرد الشراء .
وذهب الفقهاء الرومان بتأثير الفسلفة الاغريقية الى القول بأن (الافراط في التطبيق الحرفي للقانون اغراق في الظلم ) ومعنى ذلك انه اذا ادى تطبيق القانون حرفيا الى الحرج والعسر والقسوة فيصار الى تطبيقه بشيء من المرونة والرحمة باستيحاء الحكم من روح القانون لا من مفهومه الحرفي .
وكان البريتور يطور احكام القانون من خلال ما يعرف بالمنشور البريتوري الذي يتضمن المباديء والقواعد التي سيتبناها اثناء ممارسته لمنصبه القضائي ، وجاء في منشور لبريتور من العصر الذهبي للقانون الروماني وهو العصر العلمي (130ق.م ــ 284م) مانصه ( لن اعتبر صحيحا ماتم تحت الرهبة ) ومعيار الرهبة عند البريتور ، هو معيار الشخص الثابت الجنان ، اي ان من شأن الرهبة ان تدخل الروع في قلب القوي ، فلا يحمي البريتور الجبان .
وفي ظل الشريعة الانكلوسكسونية ، كانت المحاكم الملكية تطبق قانون الاحكام العام وتتقيد بالتطبيق الحرفي لنصوصه حتى وان لم يؤد ذلك الى تحقيق العدالة والسبب في ذلك يعود الى ان مصادر هذا القانون وهي العادات والتقاليد والسوابق القضائية، اذ صلحت في ظروف معينة، فقد لاتصلح في ظروف اخرى .
وازاء هذا الوضع شعر الناس بالظلم والاجحاف الذي يرتكب باسم تطبيق القانون واخذوا يرفعون دعاواهم الى الملك مباشرة والذي اخذ يحيلها بدوره الى مجلسه الاستشاري للبت فيها وفقا للقانون العمومي اذا وجد ان ذلك يحقق العدالة والا فانه كان يقضي بما يقتضيه العقل والضمير ، وتطور الامر في القرن الرابع عشر الى تشكيل محكمة سميت اولا محكمة الضمير نسبة الى ضمير الملك ،ذلك ان السند الفلسفي لمباديء العدالة لدى الانكليز لا يستند على مفهوم القانون الطبيعي بل على اساس اخر هو حق الملك في اقامة العدل بين رعاياه وكان الانكليز يقولون ( ان العـــدالة تسـيل مـن ضميـر الملـك ) ، وسميت هذه المحكمة بعد ذلك بمحكمة العــدالة .
وكانت محاكم العدالة تستند في احكامها الى ماتمليه اعتبارات الفهم الصحيح للامور وما يراه القاضي اكثر حقا وعدلا ومعقولية بغير مراعاة ضوابط القانون العام .
وادخلت في العصور الحديثة على فكرة القانون الطبيعي التقليدية العديد من التعديلات نأت بها عن التطرف والبستها ثوب المثالية الواقعية ، بحيث تحتفظ في ذات الوقت بدورها كموجه مثالي للمشرع والقاضي ، ومفاد ذلك ان القانون الطبيعي لايضع قواعد وحلول تفصيلية لمشاكل العلاقات الاجتماعية، انما هو موجه مرن هو اقرب الى دعوة المشرع الى الالتزام بحد ادنى من المثل العليا ولكنها لاتضع على عاتقه قيدا تفصيليا محددا ، اما بالنسبة للقاضي فتأثيرها عليه اكثر عمقا ذلك لانه ملزم بالرجوع اليها عندما لاتمده مصادر القانون الاخرى بحل للنزاع المعروض عليه، والمشرع حينما يحيل القاضى الى قواعد القانون الطبيعي او قواعد العدالة انما يلزمه ان يجتهد برأيه حتى يقطع عليه سبيل النكول عن القضاء ،لان نكوله يعد ارتكابا لجريمة انكاراً للعدالة ، وهذه القواعد تقتضيه ان يصدر اجتهاده عن اعتبارات موضوعية عامة لا عن تفكير ذاتي ضيق،ولذا درجت التشريعات الحديثة على الاحالة الى قواعد القانون الطبيعي او قواعد العدالة او مباديء القانون العامة .
حيث نصت المادة (1) من القانون المدني العراقي رقم (40) لسنة 1951النافذ على انه:
(1ـ تسري النصوص التشريعية على جميع المسائل التي تتناولها هذه النصوص في لفظها اوفي فحواها .
2ـ فإذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه حكمت المحكمة بمقتضى العرف فإذا لم يوجد فبمقتضى مباديء الشريعة الاسلامية الاكثر ملائمة لنصوص هذا القانون دون التقيد بمذهب معين فإذا لم يوجد فبمقتضى قـواعـــد العـــدالة .) بينما احال القانون المدني المصري القاضي الى قواعد القانون الطبيعي ، عند فقدان النص .
ان التمييز بين فكرتي العــدل والعدالــة والقانون الطبيعي ،هو السبب في ان كل الانظمة القانونية شعرت بالحاجة الى اصلاح صرامة القانون من خلال اعتماد المعايير القانونية والدعوة الى تفسير القانون بروح العدالة بدلا من التركيز على حرفية النصوص عندما يشعر القاضي ان الظلم بعينه يتحقق لو طبق القانون بحذافيره وهذه الحالة نجد تعبيرها في القول المأثور( الرحمة فوق القانون ) الذي لايعني الا أن على القاضي ان يطبق القانون بروح العدالة .
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
(1) : لاتعد الصياغة القانونية الغامضة عيبا تشريعيا دائما، فهي من عوامل تطوير القانون وملائمته مع التطورات المستقبلية الحادثة بعد التشريع ، فقد استند القضاء الفرنسي وتبعه القضاء المصري في ذلك الى العديد من المواد القانونية الغامضة فأدخلوا من خلالها الكثير من النظم القانونية الحديثة الى النظام القانوني حتى تلك النظم التي لم تكن موجودة وقت تشريع القانون اصلا مثل نظرية تحمل التبعة ونظام الاثراء بدون سبب التي لم ينص عليهما القانون المدني الفرنسي اصلا ، وهكذا فسروا القواعد الغامضة على نحو يساير روح العصر ،وجاء على لسان رئيس محكمة النقض الفرنسية (باولو) قوله بمناسبة الاحتفال بالعيد المئوي للقانون المدني الفرنسي في 9 اكتوبر سنة 1904 مخاطبا القضاة ( عندما يكون النص غامضا عندها تنهض شكوك في معناه ومداه عندما يتعارض او يتسع او يضيق بمقابلته مع نص اخر ، ارى للقاضي حينئذ اوسع صلاحيات التفسير فعليه عدم ضياع وقته في التحري عما كان عليه تفكير واضع القانون المدني عند تشريع هذه المادة او تلك منذ مئة عام ....
وعليه ان يقول بان العدالة والحكمة يقتضيان بتكييف النص بحرية وانسانية تبعا لحقائق ومتطلبات الحياة الحديثة وذلك بالنظر للتغييرات التي جرت في الافكار والاخلاق والمؤسسات وفي الحالة الاقتصادية والاجتماعية في فرنسا منذ قرن ).
(2) : انتقد البعض قانون حمورابي (1694 ق.م) الرائد بالقول انه تضمن احكاما قاسية جدا في بعض احكامه ووصفوه بالبدائي جدا وانه لم يتضمن مباديء قانونية عامة بل تفاصيلا لحالات واقعية، ولكنها كلمة حق يراد بها باطل ،فانه وان تضمن احكاما قاسية الا انه تضمن احكاما متطورة لم تتوصل لها البشرية الى يومنا هذا وما برحت تسعى الى نيلها ،من ذلك ما نصت عليه المواد (23،24) من قانون حمورابي من انه ( ان من وقع ضحية السرقة في حالة عدم ضبط الجاني واسترداد المسروقات ، يعوض من قبل اهل المدينة والحاكم الذي وقعت السرقة في ارضه ، فان كانت نفس قد فقدت اثناء السرقة فعلى المدينة والحاكم ان يعوض اهله ) ونصت المادة (148) منه على انه ( ليس للزوج ان يطلق زوجته المريضة بل عليه ان يعيلها طالما هي على قيد الحياة ولكن له ان يتزوج باخرى ) كل هذا قبل ما يقرب من اربعة الاف سنة ، اما المباديء العامة فلا تتولد الا بعد نشوء القانون ولا تسبقه حتما ، فما المباديء القانونية العامة الا هي مجموعة قواعد استقرت عليها القوانين خلال عهود طويلة من الزمن فاصبحت ذات طبيعة الزامية ولو لم ينص عليها القانون، مثل مبدأ شخصية العقوبة ، ومن ثم لايمكن مطالبة من اوجد القانون وقدمه للبشرية ان يوجده كاملا ، فحسبه فضلا انه اوجده .
(3) : ويحضرني مثال واقعي في هذا المجال ، حيث كنت حضرت تحقيق مع احد الموظفين الكبار كان قد اتهم برشوة واختلاس اكثر من ملياري دينار عراقي ، وبعد ايام من ذلك تم التحقيق عن جريمة رشوة مع احد افراد الشرطة بشأن علبة كولا اشتراها له احد المتهمين اثناء احضاره من مركز الشرطة الى المحكمة فقام احد المواطنين (الحريصين) بالابلاغ عن ذلك .
(4) : الحدس ، نوع من المعرفة سابقة للاستنباط العقلي،فهو الادراك المباشر الذي لايحتاج الى استدلال منطقي او استنباط بل يأتي مرة واحدة ومباشرة الى الذهن وبصورة كاملة من اول لمحة (الهام) ، والادراك ان وجد لدى الناس جميعا الا ان حسن الادراك يتطلب تجربة من نوع خاص يصعب نقلها او تعليمها او تلقينها للاخرين عن طريق الوصف ، وبالذكاء او بالحدس يتميز بعض الناس عن الناس الاخرين.
(5) : ساهمت الزراعة في تطوير الاخلاق الانسانية ومنها الرحمة والرأفة ، فقد كانت الاقوام البدوية تفضل السلب والنهب لانها لاتملك الا القليل من الاشياء لتخاف عليه ، اما المزارع الذي يشقى في حرث وزرع ارضه فيهمه جدا ان تكون هناك قواعد اخلاقية تحميه وتردع غيره ، حتى لا يأتي احد وعلى غفلة منه او بالقوة ليسرق جهد سنته الزراعية .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
اساس مقولة ( ان الرحمة فوق القانون)الجزء الثاني
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الوطنية  :: المنتدى العام :: قسم المقالات القانونية-
انتقل الى: